السيد محسن الأمين
82
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الا الله وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون بخلاف المشركين قلت قد قال ( ص ) الا بحقها وحقها إفراد الألوهية والعبودية لله والقبوريون لم يفردوا هذه العبادة فلم تنفعهم كلمة الشهادة فإنها لا تنفع الا مع التزام معناها ولم ينفع اليهود قولها لانكارهم بعض الأنبياء وبنو حنيفة كانوا يشهدون الشهادتين ويصلون لكنهم قالوا مسيلمة نبي فقاتلهم الصحابة وسبوهم فكيف بمن يجعل للولي خاصة الإلهية ويناديه للمهمات وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حرق أصحاب عبد الله بن سبا وكانوا يشهدون الشهادتين ولكن غلوا في علي واعتقدوا فيه ما يعتقد القبوريون وأجمعت الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله فكيف بمن يجعل لله ندا وإنكاره ( ص ) على اسامة قتله من قال لا إله إلا الله لأن من قالها من الكفار حقن ماله ودمه حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله فان تبين لم تنفعه هذه الكلمة كما لم تنفع اليهود ولا الخوارج مع عبادتهم التي يحتقر الصحابة عبادتهم إلى جنبها بل أمر ( ص ) بقتلهم وقال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وذلك لما خالفوا بعض الشريعة وكانوا شر القتلى تحت أديم السماء كما ثبتت به الأحاديث ( فان قلت ) القبوريون ومن يعتقد في فسقة الناس وجهالهم من الأحياء يقولون نحن لا نعبد هؤلاء ولا نعبد الا الله وحده ولا نصلي لهم ولا نصوم ولا نحج ( قلت ) هذا جهل بمعنى العبادة فإنها لا تنحصر فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقدا ويصنعون له ما سمعت مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك وقد ذكر العلماء ان من تزيا بزي الكفار صار كافرا ومن تكلم بكلمة الكفر صار كافرا فكيف بمن بلغ هذه الرتبة اعتقادا وقولا وفعلا انتهى . ( والجواب ) ان تقسيمه التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد العبادة تطويل بدون طائل فإنه لا شك في وجوب توحيد الباري تعالى في ذاته وصفاته وعبادته وجميع ما هو من لوازم الربوبية وصفات الكمال ونفي صفات النقص عنه ولا يحتاج إلى كل هذا التطويل والتكرير الذي اعتادوه ولا إلى إكثار الشواهد القرآنية عليه ولا إلى الاستشهاد بإياك نعبد وأمثالها وانما الذي ينفع بيان ما هي العبادة التي لا تليق بغير الله وإذا فعلت لغيره توجب الشرك والكفر هل هي مطلق التعظيم والخضوع والنداء والدعاء والاستعانة والاستغاثة والتشفع والتوسل والنذر والذبح والنحر وغير ذلك ليكون ما يفعله المسلمون داخلا فيها أو عبادة خاصة وهم لم يأتوا على أن ما يفعله المسلمون داخل في ذلك ببينة ولا برهان بل البرهان على خلافه قائم لما بيناه مرارا عند الكلام على هذه الأمور اجمالا وتفصيلا من أن مطلقها ليس ممنوعا فضلا عن كونه كفرا وشركا وان تعظيم من هو عظيم عند الله والخضوع له والاستغاثة والتشفع والتوسل بمن جعله الله مغيثا شافعا وجعل له الوسيلة كلها عبادة لله وان النذر والذبح والنحر الذي يفعله المسلمون هو لله تعالى وعبادة وطاعة له فجميع هذه الأمور سواء سميت عبادة أو لا لا تعد شركا ولا كفرا لأن الممنوع منه الموجب للشرك هي عبادة خاصة وهي ما كان عن غير أمر الله أو عنادا له أو بقصد الاستحقاق الذاتي كاستحقاق الله أو نحو ذلك ( مع ) ان قوله ان جميع الرسل بعثوا لتقرير توحيد الربوبية والدعاء إلى توحيد العبادة ولم يبعثوا للدعاء إلى توحيد الربوبية جهل محض فان الأمم التي بعثت إليها الرسل ( منها ) من كان يعتقد في عيسى الإلهية ويثبت له 82 جميع صفاتها كما مر في رد كلام ابن عبد الوهاب فكيف يقول إن جميع من بعثت إليهم الرسل موحدون بتوحيد الربوبية ( ومنه ) يعلم فساد قوله ان من اتخذوا المسيح وأمه لم يتخذوهم لأنهم أشركوهم في الخلق بل لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى ( ومنها ) من كان ينكر الله تعالى وينكر البعث وهم الذين قالوا كما حكى الله تعالى عنهم في كتابه العزيز : ( ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) ( ففي تفسير الطبري ) يقول الله مخبرا عن هؤلاء المشركين انهم قالوا وما يهلكنا فيفنينا الا مر الليالي والأيام وطول العمر إنكارا منهم أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم ( وفي مجمع البيان ) أي ما يميتنا الا الأيام والليالي أي مرور الزمان وطول العمر إنكارا منهم للصانع ( وفي تفسير الرازي ) ان الله حكى عنهم شبهتهم في انكار القيامة وفي انكار الإله القادر أما شبهتهم في انكار القيامة فهي قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا واما شبهتهم في انكار الإله الفاعل المختار فقولهم وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ يعني تولد الأشخاص انما كان بسبب حركة الأفلاك الموجبة لامتزاجات الطبائع وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت فالموجب للحياة والموت تأثير الطبائع وحركة الأفلاك ولا حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار فهذه الطائفة جمعوا بين انكار الإله وبين انكار البعث والقيامة ( وفي تفسير النيشابوري ) انهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا اليه انكار المبدأ قائلين وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ انتهى . ثم إن قوله تعالى : ( اعْبُدُوا اللَّهَ * و لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ) ليس صريحا في طلب توحيد العبادة فقط لجواز ان يعبر باللازم عن الملزوم فيكون قد طلب إفراد الله بالعبادة وملزومه الذي هو إفراده بالربوبية ثم إن تقسيمه العبادة إلى اعتقادية ولفظية وبدنية الذي اختصرناه ( وقوله ) ان العبادة أقصى غاية الخضوع وان مستحقها الله تعالى لايلائه أعظم النعم كما نقله عن الكشاف لا يظهر لذكره في هذا المقام فائدة بل هو تطويل بلا طائل كما هي عادتهم في التطويل بتكرير المعنى الواحد وإعادته مرارا كثيرة كما وقع في كلامه من تكرير القول بان الأنبياء بعثوا للدعاء إلى توحيد العبادة لا توحيد الربوبية مرارا كثيرة وقد اختصرناه ووجه كون ذلك تطويلا بلا طائل انه لا ينكر أحد ان الحقيق بغاية الخضوع والتذلل هو الله تعالى ولكن الذي ينفع هو إثبات كل خضوع وتذلل لغير الله هو عبادة له موجبة للشرك والكفر وانى لهم بذلك بل هو بكلامه هذا رد على نفسه فإنه جعل العبادة الخاصة بالله تعالى هي غاية الخضوع والتذلل فدل على أن مطلق الخضوع والتذلل ليس كذلك وتقسيم العبادة لا مساس له بما هو بصدده وكذا قوله ان رأس العبادة وأساسها التوحيد وان المراد معنى كلمة الشهادة لا مجرد قولها تطويل بلا طائل إذ لا ينكر أحد ذلك ومن التطويل بلا طائل قوله وقد علم الكفار هذا المعنى إلخ كما لا يخفى ( أما ) رجز التلبية الذي استشهد به فهو عليه لا له فإنهم بعد ما جعلوا الأصنام شركاء لله يعبدونها بأنواع العبادة التي نهى الله عنها ولم يقع شيء منها من أحد من المسلمين كما ستعرف لا ينفعهم قول : هو لك تملكه وما ملك ( قوله ) وكانت عبادتهم للأصنام اعتقادهم أنهم يضرون وينفعون إلخ جعل تارة عبادة الأصنام هي اعتقاد انهم يضرون وينفعون ويشفعون المتفرع عنه النحر لهم والطواف بهم والنذر عليهم والذل والخضوع والسجود لهم وتارة جعل عبادتهم هي الخضوع والتقرب بالنحر والنذر المتسبب عن اعتقاد الشفاعة ولا يخفى تهافت ذلك وتناقضه وسواء